روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

17

عرائس البيان في حقائق القرآن

من قلزم القدم . ولولا تلك الأهلية لما كان فردا في الصحبة ، وكان الصدّيق في منزل ما كان محمد ، وكان اللّه ولم يكن معه شيء من شقائق قدسه ، وبرق من بروق أنوار أنسه ، خرجا من تلك الأنوار ودخلا بها في الغار ، وعرّف الحبيب الصدّيق خصائص المعيّة معه حين ورد عليه طوارق الامتحان ، وأخرجته من رؤية الحدثان ، بقوله : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي : لا يحزن بتغير الاصطفائية ، وانكسار حصون العصمة ، فهو معناه بمعنى القدرة والعلم الأزلي ، وعناية الأبدية ، وظهور مشاهدته من حيث القلب والروح والعقل ، بوصف المناجاة والمداناة . وقال ابن عطاء في قوله : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ . قال : في محل القرب في كهف الأنوار في الأزل . وقال في قوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا : ليس من حكم من كان اللّه معه أن يحزن . وقال الشبليّ : ثانِيَ اثْنَيْنِ : تشخصه مع صاحبه ، ووحّد الواحد بقلبه مع سيّده . وقال ابن عطاء في قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا معناه : إن اللّه معنا في الأزل حيث وصل بينا ، ووصل الصحبة ، ولم يتفضل . قيل في قوله : لا تَحْزَنْ : كان حزن أبي بكر رضي اللّه عنه ؛ إشفاقا على النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : شفقة على الإسلام أن يقع فيه وهن . وقال فارس : إنما نهى عن الحزن ؛ لأن الحزن عنه ، وإنما هو تعريف أن الحزن لا يحل بمثله ؛ لأنه في محل القربة . وقيل : أخرجتهما الغيرة إلى الغار عليهما الحق ، فسترهما عن أعين الخلق ؛ لأنهم كانا في مشاهدته يشهدهم ويشهدونه ، ألا ترى كيف يقول عليه السلام لأبي بكر رضي اللّه عنه : « ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » مشاهدا لهما ، وعونا وناصرا . ويقال في قوله : نَصَرَهُ اللَّهُ من تلك النصرة أبقاه إياه فيما أبقاه به من كشوفاته في تلك الحالة ، ولولا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه . ويقال : صحيح ما قالوا للبقاع دون ما خطر ببال أحد ، أنّ ذلك الغار يصير مثوى ذلك السيد صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولكن يختص بقسميه ما يشاء ، كما يختص برحمته من يشاء . ويقال : علقت قلوب قوم بالعرش ، فطلبوا الحق منه .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1337 ) ، ومسلم ( 4 / 1845 ) .